محمد أبو زهرة

4506

زهرة التفاسير

الحياة بيد اللّه تعالى ، وهو مانحها ، يهبها لمن يشاء ، كل هذا من آيات اللّه ، وهي تبصّر الناس بالحق وتهدى إليه ، وإن الآيات البينات كثيرة هادية ، ولكن الناس عنها منصرفون مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ، أي من يسلك سبيل الحق يأخذ اللّه بيده ، ويهديه سواء الصراط ، وهو المهتدى حقا وصدقا ولا أحد يضله ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً ومن يسلك طريق الضلالة فإن اللّه تعالى يكتبه من الضالين ، ولن تجد له من يتولى أمره ويرشده إلى الصراط السوى . وإنهم في الكهف يبدون أيقاظا وهم نائمون ، ولذا قال تعالى : وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ( 18 ) . من يراهم بادي النظر يحسبهم أيقاظا ، أي يظنهم أيقاظا ، والحقيقة أنهم رقود ، والأيقاظ جمع يقظ ، والرقود جمع راقد ، أو هو مصدر وصف به والمصدر الذي يوصف به يلتزم المصدرية ، فلا يثنى ولا يجمع ، وإن هؤلاء الفتية عندما أصابهم الرقود كانت عيونهم مفتوحة فيظنهم الناظر أنهم أيقاظ ليسوا نائمين ، ولأنهم بإرادة اللّه يتقلبون ذات اليمين وذات الشمال ، ويقول تعالى : وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ ، أي يتقلبون بإرادة اللّه تعالى إلى اليمين وإلى الشمال ، وتلك حال من يكونون بين اليقظة والنوم ، ويقلبهم اللّه ذات اليمين وذات الشمال لكيلا تتعفن أجسامهم إذا بقوا على حال واحدة ، ولأن أحسن الأحوال للنائم ألا ينام مضطجعا ولا يلتزم جانبا واحدا يمينا أو شمالا ، بل يتقلب بينهما ، لكيلا تكون الأعضاء الداخلية من كبد وقلب ومعدة على ثقل واحد ، بل تتغير أثقالها . وهم في هذا التقلب الذي يكون كالنائم المعتاد ، وما يقوله بعض المفسرين من أنهم كانوا يتقلبون كل سنة أو سنتين أو سنين رجم بالغيب ، ولا أساس له من رواية صحيحة ولا نقل عن معصوم . وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ وكلبهم بفناء الكهف أو على عتبته باسط ذراعيه ، يحس الرائي أنه يحرس قوما أيقاظا ، وهكذا كل مظاهر الحياة كانت بادية